سيد قطب

2760

في ظلال القرآن

ولا يسير وفق المصادفة العمياء ، ولا وفق الهوى المتقلب ، إنما يمضي في نظامه الدقيق المحكم المقدر تقديرا . وأن من مقتضيات هذا الحق الذي يقوم عليه الوجود أن تكون هناك آخرة ، يتم فيها الجزاء على العمل ، ويلقى الخير والشر عاقبتهما كاملة . إنما كل شيء إلى أجله المرسوم . وفق الحكمة المدبرة ؛ وكل أمر يجيء في موعده لا يستقدم لحظة ولا يستأخر . وإذا لم يعلم البشر متى تكون الساعة ، فإن هذا ليس معناه أنها لا تكون ! ولكن تأجيلها يغري الذين لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ويخدعهم : « وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ » . . ومن هذه الجولة في ضمير السماوات والأرض وما بينهما . وهي جولة بعيدة الآماد والآفاق في هيكل الكون الهائل ، وفي محتوياته المنوعة ، الشاملة للأحياء والأشياء ، والأفلاك والأجرام ، والنجوم والكواكب ، والجليل والصغير ، والخافي والظاهر ، والمعلوم والمجهول . . من هذه الجولة البعيدة في ضمير الكون ينقلهم إلى جولة أخرى في ضمير الزمان ، وأبعاد التاريخ ، يرون فيها طرفا من سنة اللّه الجارية ، التي لا تتخلف مرة ولا تحيد : « أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ؛ وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها ؛ وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ، فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى ، أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ » . . وهي دعوة إلى التأمل في مصائر الغابرين ، وهم ناس من الناس ، وخلق من خلق اللّه ، تكشف مصائرهم الماضية عن مصائر خلفائهم الآتية . فسنة اللّه هي سنة اللّه في الجميع . وسنة اللّه حق ثابت يقوم عليه هذا الوجود ، بلا محاباة لجيل من الناس ، ولا هوى يتقلب فتتقلب معه العواقب . حاشا للّه رب العالمين ! وهي دعوة إلى إدراك حقيقة هذه الحياة وروابطها على مدار الزمان ، وحقيقة هذه الإنسانية الموحدة المنشأ والمصير على مدار القرون . كيلا ينعزل جيل من الناس بنفسه وحياته ، وقيمه وتصوراته ، ويغفل عن الصلة الوثيقة بين أجيال البشر جميعا ، وعن وحدة السنة التي تحكم هذه الأجيال جميعا ؛ ووحدة القيم الثابتة في حياة الأجيال جميعا . فهؤلاء أقوام عاشوا قبل جيل المشركين في مكة « كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً » . . « وَأَثارُوا الْأَرْضَ » . . فحرثوها وشقوا عن باطنها ، وكشفوا عن ذخائرها « وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها » . . فقد كانوا أكثر حضارة من العرب ، وأقدر منهم على عمارة الأرض . . ثم وقفوا عند ظاهر الحياة الدنيا لا يتجاوزونه إلى ما وراءه : « وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ » . . فلم تتفتح بصائرهم لهذه البينات ؛ ولم يؤمنوا فتتصل ضمائرهم بالنور الذي يكشف الطريق . فمضت فيهم سنة اللّه في المكذبين ؛ ولم تنفعهم قوتهم ؛ ولم يغن عنهم علمهم ولا حضارتهم ؛ ولقوا جزاءهم العادل الذي يستحقونه : « فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » . . « ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى » . . كانت السوأى هي العاقبة التي لقيها المسيئون وكانت جزاء وفاقا على « أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ » . . والقرآن الكريم يدعو المكذبين المستهزئين بآيات اللّه أن يسيروا في الأرض فلا ينعزلوا في مكانهم كالقوقعة ؛ وأن يتدبروا عاقبة أولئك المكذبين المستهزئين ويتوقعوا مثلها ؛ وأن يدركوا أن سنة اللّه واحدة وأنها لا تحابي أحدا ؛ وأن يوسعوا آفاق تفكيرهم فيدركوا وحدة البشرية ، ووحدة الدعوة ، ووحدة العاقبة في أجيال البشرية